اسطنبول : للمرة الثانية ينظم مركز دراسات الوحدة العربية ندوة حول العلاقات العربية التركية. فبعد الحوار العربي التركي الذي عقد في بيروت في العام 1993 ها هي الجولة الثانية من هذا المنتدى تنعقد هذه المرة في اسطنبول.
وعلى الرغم من تعدد الندوات المشابهة على مستويات متعددة فإن ما يميز هذه الندوة التي امتدت على مدى يومين أنها لا تمثل أي جهة رسمية، لا في تركيا ولا في الوطن العربي، لذا دخلت المؤسسة العربية للديموقراطية في قطر شريكا أساسيا في تنظيم الندوة بالتعاون مع مركز الاتجاهات السياسية الدولية بالجامعة الثقافية في اسطنبول.
وميزة هذه الندوة انه في عصر الانفتاحات المتبادلة بين تركيا والعرب، في ظل سياسات حزب العدالة والتنمية، أمكن أن يكون المشاركون من الجانب التركي متعددي الانتماءات الفكرية من الليبرالي العلماني إلى الاتاتوركي إلى منتمين لحزب العدالة والتنمية. كما كان الحضور العربي متنوعا، وعلى مستوى عال ومن بغداد إلى الرباط مع غياب خليجي واضح.
وكان لحضور معاون وزير الخارجية السفير انغين سويسال، الذي مثل وزير الخارجية التركية احمد داود اوغلو الذي حالت مشاغله دون الحضور، ظل طيب على الندوة، حيث قدم مداخلة خاصة مطولة حول السياسة الخارجية التركية الحالية. وتوقف انغين عند التطور الخاص في العلاقات مع سوريا والعراق حيث «تراكمت الرموز» عندما زار داود اوغلو كلا من البصرة واربيل والموصل. وقال إن تركيا تريد تطوير العلاقات مع سوريا والعراق ضمن رؤية بعيدة المدى، مشيرا إلى أن مجلس التعاون الاستراتيجي بين سوريا وتركيا سينعقد في كانون الأول المقبل على مستوى رؤساء الحكومة، كما سينعقد في دمشق في منتصف الشهر ذاته المنتدى العربي التركي الرسمي.
ووصف سويسال الاتحاد الأوروبي بأنه مشروع وليس منظمة ولكل مشروع منحنيات، معتبرا أن هناك الآن اهتمامات إضافية من الاتحاد الأوروبي لأنه يشعر بحاجة اكبر إليها. وأشار إلى أن لتركيا جغرافيتها الخاصة وعليها أن تثق بنفسها في علاقاتها مع الجميع.
وفي كلمته الافتتاحية قال مدير مركز دراسات الوحدة الدكتور خير الدين حسيب إن هدف الندوة ليس فقط تعزيز الحوار بين النخب في الجانبين بل دفع فئات جديدة إلى الاهتمام بالعلاقات العربية التركية، مشيدا بشكل العلاقات التركية السورية الآن، داعيا إلى تعميم هذا النموذج في العلاقات مع الدول الأخرى. ودعا حسيب إلى عدم الوقوف عند حساسيات الماضي بل تعزيز نقاط التلاقي وتحويل العلاقات إلى مؤسسة على قاعدة المصالح المشتركة. وقال إن «العرب يتطلعون إلى تركيا المنفتحة عليهم لا إلى تركيا الامبراطورية».
وأشار رئيس مركز الاتجاهات السياسية الدولية منصور آق غون إلى الاهتمام التركي المتزايد بالعالم العربي وانتشار استطلاعات الرأي التي تعكس رغبة في المزيد من التعارف والتلاقي.
وجال المشاركون، وجلهم إن لم يكن جميعهم من كبار النخب في العالم العربي وتركيا، في موضوعات متعددة من الخيارات الاستراتيجية لتركيا والوطن العربي إلى مجالات التعاون العربي التركي. وكانت جلسة التعاون الاقتصادي متميزة، إذ حين «تتكلم» الأرقام والوقائع والمصالح تتنحى جانبا النظريات، مع الإشارة إلى تنامي هذه العلاقات وإمكانية وصولها إلى مستويات قياسية في حال أمكن تقدر الإمكانات بصورة أكبر.
ومع أن مسألة الهوية قد أشبعت تناولا فقد كان لها جلسة خاصة فيما تبادل المشاركون في جلستين أخريين اكبر معضلتين في تركيا والوطن العربي وهما تجربة الحركات الإسلامية وعلاقة الجيش بالسلطة. ولا شك في أن هذين الموضوعين استأثرا بالاهتمام نظرا لتشابه الوضع لدى الجانبين من جهة ولنجاح حركة ذات جذور إسلامية هي حزب العدالة والتنمية في الوصول السلطة والتأقلم والتكيف مع ضوابط علمانية صارمة.
وظهر ميل إلى أن تكون النخب الإيرانية جزءا من الحوار المستقبلي بين النخب العربية والتركية باعتبار تداخل مصائر وأقدار هذه المكونات الثلاثة. ولقد اتسمت النقاشات بالهدوء والتفاعل متأثرة بالمناخ الحالي من التلاقي العربي التركي على الصعيد السياسي.
ومع معرفة المشاركين حدود ودور النخب الفكرية فقد قدم رئيس المؤسسة العربية للديموقراطية محسن مرزوق مجموعة أفكار في ختام الندوة ومنها إقامة مؤسسة مدنية لمتابعة التصورات والأفكار خارج أي إطار رسمي تقوم بما اسماه «المذاهنة»، أي عصف الأفكار وخلق بيئة قابلة للتعاون وتكون بمثابة قوة اقتراحية.
تبدو الندوات الفكرية في سباق مع ما يتحقق على الصعيد السياسي والعملي بين تركيا وبعض العرب (سوريا والعراق مثلا). مع ذلك فإن ما يتحقق من خطوات عملية ومن تلاق سياسي بين الطرفين التركي والعربي لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة منطقية لـ «نضالات» نخب عربية وتركية بدأت بالاهتمام من ورقة صغيرة في أرشيف عثماني ووصلت إلى ما يشبه تحالفا كان مجرد خيال قبل عشر سنوات فقط بين تركيا وبعض العرب.
المصدر: السفير