نتهت الجولة الأولى من الكباش السياسي في تركيا حول قضية تنظيف الأراضي المحاذية للحدود مع سوريا من الألغام، بما يشبه التعادل بين مؤيدي المشروع ومعارضيه، على أن تبقى الأنظار مركزة في المرحلة المقبلة على آلية تطبيق القانون.
ففي ساعة متأخرة من مساء الأربعاء الماضي، وبعد جلسات عديدة من النقاشات والتشنجات، وبعد جلسة تجاوزت الـ 12 ساعة، اقر البرلمان التركي مشروع القانون الذي قدمته الحكومة بشأن نزع الألغام على الحدود مع سوريا، ولكن بعد إدخال تغييرات عليه من جراء الاعتراضات التي واجهته من داخل حزب العدالة والتنمية، كما من أحزاب المعارضة.
وصوّت للمشروع 255 نائبا كلهم من حزب العدالة والتنمية وعارضه 91 نائبا، فيما لم يصوّت أو غاب 204 نواب. ولوحظ أن 83 نائبا من العدالة والتنمية غابوا عن الجلسة.
مشروع قانون تنظيف الألغام أثار منذ طرحه على البرلمان انقسامات حادة ولغطا كبيرا حول إصرار رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان على تمريره في هذه اللحظة، وعلى أن تكون الشركة التي ستنزع الألغام هي نفسها التي ستستثمر الأراضي، ولمدة 44 عاما، وان يكون الباب مفتوحا أمام التلزيم من دون مناقصة.
الاعتراض جاء أولاً على اقتراح التلزيم المزدوج للشركة نفسها. وطالب المعترضون الفصل بين المناقصتين، وهو ما حصل في النهاية، لكن مع إبقاء إمكانية استثمار الأراضي لمدة 44 عاماً.
الاعتراض الثاني كان على أن تكون وزارة المالية هي الجهة الرسمية التي ستتولى إجراء المناقصة، وهو ما اشتم فيه المعترضون رائحة صفقة مسبقة مع شركات محددة. وقد نجحت المعارضة في نقل الأمر إلى وزارة الدفاع.
لكن الصاعق الأكبر والأخطر كان الشائعات التي ترددت وانتشرت على نطاق واسع في أن الحكومة ستعطي المناقصة إلى شركة إسرائيلية، وهو ما حرف النقاش في اتجاه آخر. إذ جاء الاعتراض الأساسي من نواب وقواعد حزب العدالة والتنمية والكتّاب المؤيدين للحزب الذين رأوا في ذلك تهديداً للسيادة التركية وإساءة للعلاقات مع سوريا.
وزاد الطين بلة أن اردوغان نفسه زاد الشكوك، عندما تحدث أكثر من مرة أن المال لا دين له ولا عرق، وان من سيعمل في حقول الألغام ليس اسحق بل محمد وعائشة وفاطمة، في ما يشبه التلميح إلى شركة إسرائيلية.
فقط الثلاثاء الماضي، وبعدما بلغ السيل الزبى نفى اردوغان أن تكون المناقصة محسومة لشركة إسرائيلية، موضحاً أن كل شيء متروك للمناقصة، وان عقول من يتحدث عن هذه الأشياء هي التي بحاجة لأن تنظف من الألغام.
وعهد بالمشروع قبل سنوات من دون استدراج عروض إلى شركة إسرائيلية، لكن مجلس الدولة ألغى هذا التدبير. ولم تأت الحكومة هذه المرة على ذكر شركة إسرائيلية، لكن مصدراً برلمانياً قال إن الإسرائيليين هم الأوفر حظاً بين الشركات العشر المهتمة بالمشروع البالغة مدته خمس سنوات.
لا شك في أن المناخ الضاغط الذي أثير سلباً ضد احتمال تلزيم نزع الألغام لشركة إسرائيلية سيترك أثره لاحقاً في اتجاه الابتعاد عن هذا الخيار من حيث المبدأ. علماً أن السفير الإسرائيلي في أنقرة غابي ليفي قام بما يشبه الاستعراض الإعلامي، عندما حضر إلى البرلمان التركي لزيارة احد نواب حزب الشعب الجمهوري خلال انعقاد الجلسة، لكن نائباً آخر من الحزب نفسه اعتبر أن السفير الإسرائيلي أراد إعطاء انطباع بأن البرلمان يقع تحت وطأة إسرائيل، وهذا أمر مذل لتركيا، خصوصا أن السفير كان قبل مدة في منطقة الألغام وأطلق تصريحا قال فيه «نحن لسنا هنا لاحتلال المنطقة». وقال ليفي، المولود في مدينة برغاما التركية، انه لم يبحث أبدا موضوع الألغام، ولم يزر أي نائب آخر.
وقد نص القانون الجديد على أن تقوم وزارة الدفاع بالمبادرة لإجراء المقتضى بالتعاون مع رئاسة أركان الجيش، ومن دون مناقصة، تبعاً للضرورات الأمنية التي يتيحها القانون، وان تكون مهلة إنهاء الأعمال خمس سنوات، لنزع 600 ألف لغم. وهنا يتم الحديث عن احتمال تلزيم نزع الألغام لهيئة مختصة بالألغام تابعة لحلف شمال الأطلسي.
وإذا لم تنجح هذه الخطوة تقوم وزارة المالية بإجراء مناقصة فقط لنزع الألغام، وإذا لم تنجح أيضاً هذه الخطوة يتم التلزيم لشركة لنزع الألغام مقابل استثمارها للأراضي لمدة قد تصل إلى 44 عاماً. هذا ويتوقع أن يتقدم نواب المعارضة باعتراض لإبطال القانون أمام المحكمة الدستورية.
المصدر: السفير